الأعمال، ويسمى ذلك الكتابُ بالديوان، وكذلك مكان جلوس العمال المباشرين لها. ويقال: إن أصل هذه التسمية أن كسرى نظر يوماً إلى كُتَّابِ ديوانه وهم يحسبون على أنفسهم كأنهم يحادثون فقال: «ديوانه» أي مجانين بلغة الفرس، فسمى موضعهم بذلك، وحذفت الهاء لكثرة الاستعمال تخفيفاً فقيل ديوان، ثم نقل هذا الاسم إلى كُتَّابِ هذه الأعمال المتضمن للقوانين والحسابات ٧٦٩. وقيل: إنه اسم للشياطين بالفارسية، سمى الكتاب بذلك لسرعة نفوذهم في فهم الأمور ووقوفهم على الجلي والخفي وجمعهم لما شذ وتفرق، ثم نقل إلى مكان جلوسهم لتلك الأعمال. وعلى هذا فيتناول اسمُ الديوان كُتَّابَ الرسائل ومكان جلوسهم بباب السلطان على ما يأتي بعد. وقد تُفرد هذه الوظيفة بناظر واحد ينظر في سائر هذه الأعمال، وقد يُفرد كل صنف منها بناظر، كما يُفرد في بعض الدول النظر في العساكر وإقطاعاتهم وحُسبان ٧٦٩ أعطياتهم ٤٨٠ أو غير ذلك على حساب مصطلح الدولة وما قرره أولوها.
واعلم أن هذه الوظيفة إنما تحدث في الدول عند تمكن الغَلَبِ والاستيلاء والنظر في أعطاف الملك وفنون التمهيد.
وأول من وضع الديوان في الدولة الإسلامية عمر رضي الله عنه، يقال لسبب مال أتى به أبو هريرة رضي الله عنه من البحرين فاستكثروه وتعبوا في قَسَمِهِ، قَسَمُوا إلى إحصاء الأموال وضبط العطاء والحقوق، فأشار خالد بن الوليد بالديوان وقال: رأيت ملوك الشام يدونون، فقبل منه عمر. وقيل بل أشار عليه به الهرمزان (٧٨٦) لما رآه يبعث البعوث بغير ديوان، فقيل له ومن يعلم بغيبة من يغيب منهم؟ فإن من تخلف أخل بمكانه، وإنما يضبط ذلك الكتاب، فأثبت لهم
(٧٨٥) «إبان الشيء بالكسر حينه أو أوله» (القاموس) ويجمع قياساً جمع مؤنث سالم على «إبانات».
(٧٨٦) «الهرمزان والهارموز الكبير من ملوك العجم» (القاموس).
٦٤٤
— ابن خلدون · مقدمة موسوعة العلام ابن خلدون · ص ٦٤٤
من مكتبة بيسو