شذرةShadhraالتطبيق

الفطرة الخُلُقيّة

بقلم احمد

القضايا الخلقية كحسن العدل وقبح الظلم مما اتفقت عليه الأمم على اختلاف مللها وأزمانها، وهذا الاتفاق العام لا يقع اتفاقا، بل لا بد له من موجب مشترك بين الأمم كلها، وذلك الموجب لا يكون إلا من لوازم الإنسانية. يقول ابن تيمية:

«لو لم يكن لهذه القضايا مبدأ في قوى الإنسان لم تشتهر في جميع الأمم فان المشهور في جميع الأمم لا بد أن يكون له موجب في الفطرة المشتركة بين جميع الأمم فعلم أن الموجب لاعتقاد هذه القضايا أمر اشتركت فيه الأمم وذلك لا يكون إلا من لوازم الإنسانية فان الأمم لم تشترك كلها في غير لوازم الإنسانية.»

وقد خالف في ذلك المتفلسفة، فأخرجوا هذه القضايا من قسم "الواجب قبولها" وجعلوها قسما مستقلا سموه "المشهورات"، وعلّتهم في ذلك أن مستندها عندهم الشهرة والعادة وما جُبلت عليه النفوس من الانفعالات كالرحمة والحياء والأنفة والحمية، لا العقل المجرد. ولذلك زعموا أنه لو خُلق الإنسان دفعة تام العقل ولم يسمع أدبا ولم ينفعل انفعالا نفسانيا، لم يقض في هذه القضايا بشيء، بخلاف حكمه بأن الكل أعظم من الجزء. يقول ابن سينا:

«فأما المشهورات من هذه الجملة، فمنها أيضًا هذه الأوليات ونحوها مما يجب قبوله، لا من حيث هي واجب قبولها، بل من حيث عموم الاعتراف بها، ومنها الآراء المسمى بالمحمودة [القضايا الخلقية] وربما خصَّصناها باسم المشهورة، إذ لا عمدة لها إلا الشهرة، وهي آراء لو خُلِّي الإنسان وعقله المجرد، ووهمه وحسه، ولم يؤدَّ بقبوله قضايا ما، والاعتراف بها، ولم يمل الاستقراء بظنه القوي إلى حكم لكثرة الجزئيات، ولم يستدع إليها ما في طبعه الإنساني، من الرحمة والخجل، والأنفة والحمية وغير ذلك، لم يقض بها الإنسان طاعةً لعقله أو وهمه أو حسه، مثل حكمنا أن سلب مال الإنسان قبيح، وأن الكذب قبيح... ولو توهَّم الإنسان نفسه، وأنه خُلِقَ دفعة، تام العقل، ولم يسمع أدبًا، ولم يَطَع انفعالًا نفسانيًّا أو خلقيًّا، لم يقضِ في أمثال هذه القضایا بشيء، بل أمكنه أن يجهلها ويتوقف فيها، وليس كذلك حال قضائه أن الكل أعظم من الجزء»

وتبع الأشاعرةُ المتفلسفةَ في نفي يقينية هذه القضايا من جهة العقل، غير أنهم لما آمنوا بالشرع خلافا للمتفلسفة، أثبتوا لها اليقينية من جهة الشرع وحده، فجعلوا مستندها الخبر لا الفطرة.
ويرد ابن تيمية على الطرفين من وجهين:
الوجه الأول: أنه لا تلازم بين يقينية القضية وبين كونها معرفة أولية، إذ دائرة اليقينيات أوسع من دائرة الأوليات، فهي شاملة للأوليات والمشاهدات والمجربات والحدسيات والمتواترات وقضايا قياساتها معها. يقول ابن تيمية:

«ليس مقصودنا أن هذه القضايا المشهورة أولية أو ليست أولية ولا أنها أوليه لجميع الناس أو لبعضهم بل المقصود أنها من جملة القضايا الواجب قبولها التي يجب التصديق بها وتكون مادة للبرهان فإنهم جعلوا المعتقدات ثلاثة الواجب قبوها والمشهورات والوهميات والمقصود هنا أن المشهورات العامة مثل حسن العدل وقبح الظلم هي من الواجب قبولها وإن لم نقل هي أولية فان الواجب قبولها قد جعلوها اصنافا أوليات ومشاهدات ومجربات وحدسيات ومتواترات وقضايا قياساتها معها. وهذه المشهورات إذا لم تكن أولية لم تكن بدون كثير من المجربات والحدسيات ونحو ذلك فتكون مادة للبرهان اليقيني كالمتواترات والمجربات فان المتواترات والمجربات ليست أوليات وهذه المشهورات ابلغ من كثير من المجربات والعلم بها والتصديق بها في نفوس الأمم قاطبة أقوى واثبت من العلم بكثير من المجربات والمتواترات التي تواترت عند بعض الأمم دون بعض. وبهذا الاعتبار فلم يذكروا حجة على أنها ليست من اليقينيات فان قولهم موجب الحكم بها العادات أو الاحوال النفسانية أو مصلحة النظام هذا لا ينافي كونها يقينية»

وفي هذا النص إلزام لهم بأصلهم، فإن المتواترات والمجربات ليست بأوليات، ومع ذلك عدّوها من مواد البرهان اليقيني. فإذا صح أن غير الأولي يكون يقينيا، بطل إخراج المشهورات من اليقينيات لكونها غير أولية، إذ لا فرق. بل هذه المشهورات أبلغ من كثير من المجربات والمتواترات، لأن المتواتر قد يتواتر عند أمة دون أمة، أما هذه فالعلم بها ثابت في نفوس الأمم قاطبة. ووجه ذلك أن الكلام في ثبوت القضية شيء، والكلام في سبب حصولها في النفس شيء آخر، فبيان منشأ الحكم لا يقدح في صدقه. وهنا موضع غلطهم، إذ انتقلوا من بيان المنشأ إلى الحكم بعدم اليقين، وهذا انتقال غير لازم.
الوجه الثاني: أنه لا يلزم من عدم خطور القضية بالبال أن تكون غير يقينية، وهذا نقض لمثالهم بمثالهم. فإنهم فرّقوا بين القضايا الخلقية وبين قولنا الكل أعظم من الجزء، بحجة أن المخلوق دفعة لا يقضي في الأولى ويقضي في الثانية. والجواب أن كثيرا من الناس يعيشون أزمانا لا تخطر لهم القضايا الكلية العقلية التي جعلوها مبادئ العلم، كقولنا النفي والإثبات لا يجتمعان، بل قد لا يخطر لهم تقدير اجتماع الوجود والعدم أصلا لامتناعه، ومع ذلك فهي عندهم من أعظم اليقينيات. فإذا لم يقدح عدم الخطور في يقينية الأوليات، لم يقدح في يقينية المشهورات، وإلا كان تحكما. يقول ابن تيمية:

«وإذا تصور معنى الحسن والقبح علم أن هذه المشهورات من أعظم اليقينيات فإنها ما اتفقت عليها الأمم لما علموه بالحس والعقل والتجربة بل اتفاق الناس على هذه أعظم من اتفاقهم على عامة ما يذكرونه وقد يعيش طوائف من الناس زمانا لا تخطر لهم القضايا الكلية العقلية التي جعلوها مبادئ العلم كقول القائل النفي والإثبات لا يجتمعان وان يعلم أن هذا الشيء المعين إذا كان موجودا لم يكن معدوما لكن قد لا تخطر لهم القضية الكلية بل وقد لا يخطر لهم تقدير اجتماع وجوده وعدمه فان هذا التقدير ممتنع فلا يخطر لأكثر الناس ولا توجد طائفة إلا وهي تحسن العدل والصدق والعلم وتقبح ضد ذلك.»

احفظ ما يلمسك من الكتب، وعُد إليه متى شئت.

جرّب شذرة