لا يعدّ سؤال المعنى مقترحًا فكريًا مجردًا، أو أطروحة أكاديمية منمقة، بل إنه ينبع من داخل البنية الدماغية والحيوية للإنسان، فقد استنتجت العديد من الدراسات النفسية أن الذهن البشري مصمّم للتعرّف على الأنماط، وأن بنية الإدراك تتسم بتطلّب الانتظام، وتنزع -بقوة- لاستخراج الاتساق و«المعنى» من المثيرات الحسية المتنوعة، وهي تقوم بذلك وفقًا لمبادئ عدّة، كالقرب؛ فالمثيرات الإدراكية التي تتقارب يميل الذهن إلى تجميعها معًا، والتشابه؛ فتشابه المثيرات في الحجم أو الشكل أو اللون تجعل الذهن ينظمها في وحدة واحدة، والإكمال؛ فالذهن يميل إلى إغلاق الأشكال والمنحنيات والرسومات غير المكتملة مثلاً، كالمثلث الناقص، ليدركه كشكل معروف مندرج ضمن فئة دلالية معهودة، وهذا يقع حتى لصغار الأطفال، وغير ذلك من المبادئ التي تساعد الذهن على إدراك الكل من خلال تجميع الأجزاء، أو ملء الفراغات، أو تخيّلها.
— عبد الله الوهيبي · معنى الحياة في العالم الحديث · ص ٣١–٣٢
من مكتبة احمد